الشيخ داود الأنطاكي

97

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

والاخلاط للتغذية . وجميع الأعضاء محتاجة إلى ذلك ، فتكون على هذا متساوية الورود إليها . لكن الصحيح انقسامها بحسب العظَم والتوسط والصغر ، فما كان منها عظيماً توفّرت حصته وهكذا . وأن الشرايين لجلب الأرواح والتبريد بالهواء واخراج الفضلات الدخانية ، فما كان من الأعضاء شديد الحاجة إلى ذلك توفرت حصته منها كآلات النفس وإلّا فلا . هكذا يجب تعليل من دقت صناعته وخفيت افعاله ، والا فالتسليم بالعاجز أولى واسلم . ثم قد ينظر فيها ثانياً من حيث البعد والقرب ، وفيه دقة يطول بحثها ، وقد استوفيناها في التذكرة . إذا عرفت هذا فاعلم : إن أصل الشرايين كلها عرق واحد ينبت من يسار القلب ؛ لتفرغ الأيمن لجذب الأغذية بما فيه من الأوردة السابق ذكرها ، وهذا العرق يسمى باليونانية « اورطا » يعنى المتحرك بالحياة ، وبالعربية « الأبهر » ثم كما ينشأ ينقسم قسمين . قالوا : أصغرهما يرتفع في نصف البدن الأعلى ، وأعظمهما في السافل ، ولم يختلف في هذا القول أحد ؛ وعللوه بأن الأعضاء السافلة أكثر عدداً فخصت بالجزء الأعظم . وهذا القول عندي مشكل جداً ؛ لأن الأوردة إذا ذهب معظمها في السافل فتعليله متجه ؛ لأنها تحمل الغذاء ، وهو جسم ثقيل في الجملة وأعضاء الغذاء الأصلية كلها سفلية فتحتاج إلى مزيد الاختصاص بها . وأما الشرايين فموضوعها لحمل البخار والأرواح الشديدة الحرارة وجذب الهواء واخراجه ، وكلها افعال علوية ولا نزاع في أن الآخر موضعه الأعلى ، لما مر ، وقد عرفت أن آخر اجزاء البدن الأرواح ولا حامل لها سوى الشرايين ، وأن السافلة غالبها غنى عن غالب افعال الشريان فكيف يختص الأعلى بالأقل منها . وهذا البحث لم أر فيه مساعداً ، ولم يقم عندي ترجيح ما أطبقوا عليه ، والله أعلم بذلك . ويمكن أن يحمل كلامهم على أن المراد بالأعظم الأكثر شعباً ،